علم النص

 نظريات
القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها
دكتور حسن مصطفى سحلول
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2001

الفصل الثالث

كيف نقرأ النصّ الأدبيّ؟

مع الأستاذ المترجم محمد يحياتن -جامعة تيزي وزو

 

1-1-نقصانُ النصّ

إن الإجابة على سؤال (كيف نقرأ نصاً أدبيّاً؟) تقتضي أن نحدّد نصيب كلّ من النص وقارئه في عمليّة تجسيد معنى النص، أي في عمليّة إخراج المعنى من حالة الكمون إلى حالة الظهور. فالقراءة ليست تلقياً سلبيّاً أبداً. وإنما هي تفاعل خلاّق ومشاركة حقيقيةٌ بين النص والقارئ. والعمل الأدبي يحتاج، تعريفاً، وبسبب طبيعته وبنيته، إلى مساهمة الموجّه إليه الإيجابيّة. فالعالم الذي يُنشئه النص لا يمكن له إلاّ أن يكون ناقصاً. إذ أنه ليس من المستحيل وحسب أن ننشئ عن طريق النص الأدبي عالماً كاملاً بديلاً للعالم الواقعي، بل إنه من المستحيل كذلك أن نصف فيه العالم الواقعي وصفاً شاملاً جامعاً وليس في مقدور الرواية قط أن تعرض كوناً يختلف الاختلاف كلّه عن العالم الذي نعيش فيه. فحجم الكتاب وعدد صفحاته لا يبيح ذلك. وهي كذلك لا تستطيع أن تذكر كلّ التفاصيل التي تتعلّق بالوسط الذي نتحرّك فيه وإلاّ صار الوصف بلا نهاية.
ويكفي أن ننظر في شخصيّات العالم الروائي. كيّ ندرك هذه الاستحالة المركّبة. فالنص الروائي يعجز عجزاً كاملاً عن إبداع شخصيّات تختلف اختلافاً كاملاً عن الشخصيّات الحيّة التي يحتكّ بها القارئ في حياته اليوميّة. بل وإن أكثر المخلوقات غرابة، كتلك التي نجدها في روايات الخيال العلمي مثلاً، تظلّ تحتفظ بصفات وخصائص يستعيرها المؤلّف من تجربة العالم الحقيقي الواقعي وليست هذه المخلوقات في نهاية المطاف إلاّ كائنات بشريّة مشوّهة. ولنتأمّل وصف العفريت التالي من ألف ليلة وليلة.
"ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى عنان السماء ومشى على وجه الأرض، فتعجّب غاية العجب، وبعد ذلك تكامل الدخان، واجتمع ثمّ انتفض فصار عفريتاً رأسه في السحاب ورجلاه في التراب برأس كالقبة وأيدٍ كالمداري ورجلين كالصواري وفمٍ كالمغارة وأسنان كالحجارة ومناخير كالإبريق وعينين كالسراجين، أشعث أغبر.."(1)
وهذه كلّها صفات بشريّة اكتفى الكاتب بتضخيمها.
وكذلك الأمر في كتاب زكريّا بن محمّد القزويني (1201-1283) الشهير عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات. فهو حين يريد وصف شياطين الدنيا الذين حشرهم الله أمام النبيّ سليمان يستعير التفاصيل من عالمي الإنسان والحيوان:
"فرآهم سليمان على صور عجيبة. منهم من كانت وجوههم في أقفيتهم وتخرج النار من فيهم، ومنهم من كان يمشي على أربعٍ، ومنهم من كان له رأسان، ومنهم من كانت رؤوسهم رؤوس أسدٍ وأبدانهم أبدان الفيل. ورأى سليمان شيطاناً نصفه صورة كلب ونصفه صورة سنّور وله خرطوم
طويل.."(2).
وسبب ذلك أنّه يستحيل على القارئ أن يتصوّر مخلوقاً يختلف عنه كلّ الاختلاف! وكذلك يستحيل على المؤلّف أن يصف وصفاً كاملاً إنساناً حقيقياً!
ولنفترض جدلاً أن بإمكاننا وصف مظهره ورسم طباعه على نحو يقارب الحقيقية، فإنّه ينبغي علينا كذلك، من أجل إنشاء صورته الكاملة أن نذكر كلّ العلاقات التي تربطه بالآخرين، وبألوف الأشخاص الذين صادفهم في طفولته ثمّ في صباه ومراهقته، والعلاقات التي تشدّه إلى البيئة المحيطة به كالطبيعة والبحر والهواء والحرارة.. إلخ وهذه حلقات من سلاسل لا تنتهي أبداً بالمعنى الحرفي الكلمة.
فأبو سفيان بن حرب (توفي نحو 652) أو أميّة بن أبي الصلت(؟- 630) أو امرؤ القيس (500؟- 540؟) أو جبلة بن الأيهم (توفي نحو 644) هم فوق ما يصفهم به معروف الأرناؤوط (1892-1948) في روايته سيد قريش (1928). وفي ما ينوف عن 480 صفحة من القطع الكبير! (3) والنبي العربي محمّد بن عبد الله هو أكثر مما يقوله عنه نفس الكاتب في روايته المذكورة ومحمّد ابن إسحاق (توفي 767) في تهذيب سيرة ابن هشام والواقدي  (747- 822) في المغازي معاً.
فهؤلاء الأشخاص التاريخيّون يستمدّون كثافتهم وقوامهم من ثقافة كلّ قارئ عربي والتحامه بتاريخه وهم يعيشون بكلّيتهم في ضميره. وبما أنّ الرواية تعجز عن الإحاطة الشاملة بهم فإن سيد قريش تسكن إلى معرفة قارئها بتاريخه ليُكمل ما لا يذكره النص الأدبي.

1-2- التلقّي بصفته استكمالاً للنصّ:

إنّ النص الروائي ناقصٌ بنيوياً ولا بدّ له من مشاركة القارئ. ويمكننا القول بأن على القارئ أن يُكمل النص في أربعة ميادين أساسيّة ألا وهي ميدان الاحتمال أو مشابهة الواقع، وميدان تلاحق الأحداث وتتابعها، وميدان المنطق الرمزي، وأخيراً ميدان مغزى النص العام. وسنناقش فيما يلي كلاً من هذه النقاط الواحدة تلو الأخرى.
وبما أنّه من المستحيل على المؤلّف أن يصف الشخصيّات الروائيّة أو إطارها الجغرافي أو الموقف الروائي وصفاً كاملاً فإن القارئ يُكمل السرد من خياله حسب ما يظهر له على أنّه محتمل أو قريب الوقوع.
ولنقرأ كيف يصف لنا علي عقلة عرسان (1941) زينب زوجة بطل روايته صخرة الجولان (1982) حين يذكرها للمرة الأولى:
"وتراقصت صورتها أمام ناظريّ وهي تعود من الحصاد، ثوبها مغمس بالعرق، والتراب يكسوها حتى أخمص قدميّها، وفمها ممتلئ بالغبار حتى لتغص به، ولا يكاد وجهها الحبيب يظهر من بين طبقات التراب المتراكمة عليه ورائحة الشقاء البشري تفوح منها إلخ" (4) وهذا الوصف يكاد يخلو من إشارة واحدة إلى شخص زينب. أهي طويلة أم قصيرة؟ سمراء أم شقراء؟ ما لون عينيها؟ ما شكل أنفها؟ هل تقاطيع وجهها متسقة أم لا؟ هل وجهها بيضاوي أم متطاول أم مستدير؟ الخ. وبعد صفحات قليلة يضيف النص إشارة توحي بأكثر مما تُظهر:
"وعلى صفرة الأسى في الوجه النحيل تطفو بقعة ربيعية كواحة ترتفع لظامئ في الصحراء"(5).
إن زينب الفقيرة التي تكافح أثناء غياب زوجها لإطعام عائلتها الصغيرة تهم راوي علي عقلة عرسان أكثر مما تعنيه صفاتُها الجسديّة. وعلى القارئ بلا ريب أن يستكمل ملامحها. وهي ستبدو لأغلب القرّاء امرأة ناحلة، سمراء أو قمحيّة اللون وذات عينين واسعتين سوداوين ترتدي ثوباً طويلاً غابت ألوانه. الخ.
فالإطار الجغرافي (حوران) الذي تشير إليه الرواية يفرض على القارئ مجموعةً من الصفات العامة التي يعرف بثقافته أو يعتقد أنها تميّز هذه المنطقة من سورية. وكذلك الأمر حين يتخيل بطلُ الرواية ابنه فإنه يقول:
"زيد بعيونه العسلية ووجهه الناعم وشعره الأسود الأملس"(6).
ولا بد للقارئ هنا كذلك من أن يُكمل من خياله بقية ملامح الطفل.
وكذلك يهمل السرد عادة ذكر تفاصيل الحركات الثانويّة فيلجأ القارئ إذّ ذاك ومن تلقاء نفسه إلى إعادة تركيب الوقائع وبناء مجموع الحركات الغائبة معتمداً في ذلك على منطق الحدث.
ولنأخذ على سبيل المثال وصف إطفاء اللفافة فهذه الحركة تفترض أن يمد المدخّن يده باللفافة التي يلتقطها بين إبهامه وسبابته فيطفئ جذوتها بأن يسحق طرفها في المنفضة. ولكن أحمد زياد محبك (حلب 1949) يكتفي بجملة قصيرة:
"وداد تُطفئ بقيّة سيجارتها"(7).
أي أنه يكتفي بذكر حركة واحدة من مجموع الحركات الضروريّة لإطفاء اللفافة ويقوم القارئ تلقائيّاً بتخيل الحركات الناقصة.
ونجد كذلك عند حسن حميد (1956) الجمل التالية ولعلّه من أكثر الكتّاب لجوءاً إلى هذا الإيجاز الشديد:
"ووضعوا رجلاً فوق رجل ودخنّوا الأراكيل كذلك"(8).
وكل من هذه الجمل يصف جزءاً واحداً من عمليّة معقّدة فيها كثير من الحركات ولكن القارئ يملأ الفراغ من مخيلته ومن ثقافته الحياتية. ولكنّه قد يعجز عن ذلك فيبقى هذا الجزء من السرد غامضاً يستغلق فهمُه عليه. كما هي حالة قارئ لا يعرف ما هي النرجيلة مثلاً ولا كيف تدخّن!
ولكن السرد قد يتطلّب مساهمة القارئ في تخيّل مجموعة من الأحداث أعقد بكثير مما ذكرناه ولننظر في المقطع التالي من ابن إسحاق:
"قال ابن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلاّم، كما حدّثني بعض أهله عن إسلامه حين أسلم، وكان حبراً عالماً، قال: لمّا سمعت برسول الله صلّى الله عليّه وسلم عرفتُ صفته واسمه وزمانه الذي كنّا نتوكّف له، فكنت مُسراّ لذلك، صامتاً عليه حتى قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فلّما نزل بقباء في بنى عمرو ابن عوف، أقبل رجل حين أخبر بقدومه.."(9).
فهذا النص يتراكب في ثلاثة طوابق. فالراوي الأول محمّد بن إسحاق بن يسار كتب مؤلفه في القرن الثاني للهجرة /القرن الثامن للميلاد ومات في بغداد (767م) والراوي الثاني عبد الله بن سلاّم توفي في القرن الأول للهجرة / القرن السابع للميلاد (664م) وهذا بدوره يحكي قصةً جرت معه قبل عام (622) سنة جاء الرسول العربي فيها يثرب. وإذا استطاع القارئ أن يسافر عبر القرون من ابن إسحاق إلى ابن سلاّم ومنهما إلى رسول الله خلال بضعة أسطرٍ، ودون أن يشعر بانقطاع في الزمن أو في المكان السرديّين فلأنه استعان بثقافته التاريخية وملأ بها الفراغ الذي يفصل بين الراويين والأحداث التي يذكرانها.
ولقد يشير النص في أحيان كثيرة إلى شيء آخر غير ما يُظهره أو غير ما يظهر أنّه يعنيه، وهنا يتوجّب على الطرف المتلقّي أن يفكّ ألغاز اللغة الرمزية، ولكي يبلغ مراده هذا لا بد له أن يأخذ بعين الاعتبار انتقال النص من السرد المباشر إلى الإيحاء أو التشبيه أو التمثيل.
فالحب الذي يعيشه محسن وسليم وعبده في رواية توفيق الحكيم عودة الروح (1933) مثلاً هو الشكل الفني لمشاعر البورجوازيّة الصغيرة في مصر بعد الحرب العالمية الأولى، وتعلّق محسن وأعمامه بسنّية، الفتاة التي ترمز إلى مصر، هو الترجمة الروائية لتفتح المشاعر الوطنيّة عند تلك البرجوازيّة وبداية وعيها بانتمائها إلى ماضٍ تليدٍ. وبطبيعة الحال يمكن أن يرى القارئ العجول هذين الجانبين في عودة الروح على أنّهما منفصلان لا علاقة لأولهما بثانيهما أو على أنهما لحظتان متعاقبتان أو متوازيتان في السرد الروائي. ولكن قراءة يقظة يمكن لها أن تزيح النقاب عن سلسلة المعادلات الرمزيّة تلك وعن دورها في تنظيم الحكاية.
وفي مكنة القارئ أخيراً أن يكتشف المعنى العام الذي أراد المؤلّفُ أن تحمله روايتُه. ولهذا ليس على القارئ أن يرصد تدخّل الراوي المقصود في النص وحسب وإنّما عليه أن يُحيط ببنية النص العامة كذلك.
ولقد بنى توفيق الحكيم مثلاً روايته عصفور من الشرق على مجموعةٍ من المعارضات الجوهريّة والتي تتفرّع عنها متناقضات أخرى ثانويّة ينظّمها ذاتُ المنطق. ولا بد للقارئ من أخذها بعين الاعتبار ليدرك هدف الرواية العام أي إدانة الحضارة الأوربية الحديثة إدانةً شاملةً قاطعةً باسم قيم القرون الوسطى النخبوية الأرستقراطية التي مثلها الشرق بقسميه، البوذي من جهة ومجموعة الديانات الموحّدة من جهة أخرى، حسب ما يراه توفيق الحكيم، ومثاقفة محسن بطل الرواية يُفترض بها أن تبرهن للقارئ على التناقض الجوهري القائم بين الشرق والغرب. وهذه المثاقفة تتحقق خلال تجارب وفي ميادين تهدف إلى إبرازي التناقض الأساسي.
يشغل ميدانُ الأسرة الفصول الستة الأولى من الرواية . وهي تسعى إلى إقناع القارئ بتمزّق الروابط في صدر الخليّة العائليّة الأوربيّة، وتلخّص سيّدة فرنسية عجوز هذا الوضع بقولها:
"في زماننا كان البيت كل شيء! لقد ذهب كل شيء طيّب بذهاب زماننا.. ولم تعد هنالك أسرة.. الرجل والمرأة في المصنع طول النهار.. ولا أمل في أن ينشأ الولد على الخلق القويم . يا له من زمن عجيب!"(10).
وأما الميدان الثاني فهو ميدان العلاقة بين الرجل والمرأة. وفيها يمثّل محسن الرجلَ الشرقي وهو الطهر جُعل إنساناً ورمز الشعر والفن والخيال. وأمّا سوزان ديبون الفرنسيّة فهي ترمز إلى أوروبا وإلى نزوة الجسد وإلى لون الصلصال المحترق. وباختصار إلى الحيوانيّة الثقيلة والأنانيّة المجرمة اللتين تسمان كل النساء وخصوصاً نساء أوروبا منهن، كما يرى توفيق الحكيم.
وأمّا تجربة المثاقفة الثالثة ونعني صداقة محسن المصري مع العامل الروسي المهاجر إلى باريس فتهدف إلى رفض الفكر الأوروبي الحديث برمته وإلى إدانته بشقيه اليساري واليميني الغربيّين معاً.
وهذه السلسلة من المعارضات هي التي تقود القارئ إلى فهم غاية الكاتب من كتابه: إدانةُ النموذج الحضاري الذي تمثّله أوروبا الصناعيّة واستنكار افتتان النخبة الشرقيّة بمبادئها..
"كل هذا العلم الحديث الذي يبهرك ليس في حقيقته غير طريقة وأسلوب. نعم إن الجديد حقاً في العلم الأوروبي الحديث هو أسلوب التفكير المنتظم وطرائق البحث العقلي المرتب. أما أكثر من ذلك فلا [] إنها مدنيّة لا تدرك ولا تعترف إلا بما يقع تحت لمسها وبصرها ومنطقها. ولا تقوم إلاّ على عالم المحسوس. وإنّي أصرّ على أن هذه الحضارة إن هي إلاّ مدنيّة ناقصة"(11).
ولكن يندر في العادة أن يجدّ القارئُ في الرواية الناضجة هذه المعارضات الصريحة والمكشوفة. وهي أكثر ما توجد في الروايات التعليمية أو في الروايات التي تهدف بصورة أساسيّة إلى الدفاع عن قضيّة عقائديّة معينة. وأمّا الروايةُ الفنيّة الناجحة فإنها تكتفي عادةً بإشارات رقيقة أو بتلميحات لطيفة فتترك للقارئ مهمة أن يُنشئ بمشاركته الفطنة معناها العام.

1-3- الثابتُ والمضطرب:

وإذا كان القارئ حرّاً ومقيّداً في  آن واحد خلال عمليّة القراءة الأدبيّة فذلك لأن تلقّي النص يتحققُ حول قطبين أو محورين أحدهما ثابت واضح ويقيني والآخر قلق مضطربُ وظني.
وأما القطبُ الأول فهو الأماكن الصريحةُ في النص والمقاطعُ الواضحة فيه والإحالات البيّنة به. واستناداً إليها نتبين معنى النص العامَ. وأمّا قطبُ التلقّي الثاني فهو المقاطعُ الغامضة والإشارات المُلتبسة والتي تقتضي مساهمةَ القارئ لتأويلها.
والمقاطعُ الواضحة التي تؤّول أو تُقرأ مباشرة هي تلك التي تنشأ على القواعد النصيّة وعلى قواعد السرد كما أظهرتها المدارسُ ذات النزعة البنيويّة أو ذات الاتجاه الدلالي. وحين يكون أمامنا نصٌ كثيف يستغلق فهمُه فإنه من المثمر في أحيان كثيرة أن نؤسس التأويلَ على وشائج التشابه في مقاطع النص أو على تعارضها واختلافها أو على طريقة توزيعها وانتظامها انتظاماً هرميّا.
ومهما يكن الأمرُ فإنه من الضروري أن نميّز في كل قراءة بين جهتين أو بعدين الأولى هي تأويل يُبرمجه النص ويفرضه على القارئ، والثانية تأويلٌ لا يتعلّق إلاّ بالقارئ نفسه.

2-النص الأدبيّ من حيث أنه "برمجة".

2-1-"عقدُ" القراءة

إن النص الأدبي "يبرمج" شكلَ تلقيه بأن يقترح على القارئ مجموعةً من القواعد العامة المتفق عليها وكذلك نقاطاً يلتزم بالعمل بها وبتطبيقها. وهذا ما أسماه النقّادُ "بعقد" القراءة.
ويُحدّد النصُ الأدبي على وجه العموم طريقةَ تأويله إذ ينخرط في نوع أدبيّ معين أو حين يتخذّ مكاناً له ضمن المؤسسة الأدبيّة الرسميّة. فالنوعُ الأدبي مثلاً يحيل القارئ إلى مجموعة من القواعد التي تواضع النقّاد على أنّها تميز هذا النوع عن غيره. فيثير هذا عند القارئ توقعاً معيّناً. ويجعله في حالة "نفسيّة"خاصة".
فهو قد يتقبّلُ أن ينهض ميتٌ من قبره في الرواية الخيالية وقد لا يجد غضاضة في أن يظهر جني من قمقم أو أن يطير بساطٌ يحمل رجلاً حين يقرأ حكاية شعبيّة من حكايات ألف ليلة وليلة ولكنه سينكر هذه الأحداث بقوة إذا وجدها أو ما يماثلها في الرواية الاجتماعية أو في الرواية الواقعية مما يكتبه عادة نجيب محفوظ! ولقد رضي القارئ السوري على سبيل المثال أن يبعث زكريّا تامر عمر المختار أو يوسف العظمة من قبريهما هجاءً للواقع العربي المعاصر في بعض قصصه الصغيرة الغاضبة. ولكن هذا القارئ سيستغرب كثيراً إن رأى سيّارة مثلاً في رواية جرجي زيدان (1861-1914) الحجّاج ابن يوسُف الثقفي (1902) أو رأى جبلة بن الأيهم يدخّن لفيفةً تبغ في سيد قريش لأن هاتين الروايتين التاريخيتين تتناقضان عندئذ مع حقيقة التاريخ الذي يقتضي نوعُهما الأدبي أن تلتزما بها التزاماً صارماً.
وقد يحدث أن يكون النص غامضاً أو يصعب تصنيفُه بين الأنواع الأدبية المعروفة أو أن يثير حيرة القارئ فعندها تتجه أبصارُ هذا الأخير نحو المؤسسة الأدبيّة وهيئاتها ينتظر منها أن "تفتيه" حول شرعية النص الأدبية أو أن تضمن له على الأقل انتماءه إلى الأدب، أيّ أنّه ينتظر منها شهادة "حسن سلوك" تمنحها لنصوص تثير ريبته وشكوكه. وهذا ما قامت به المؤسساتُ الأدبيّة العربيّة في العقد الخامس من هذا القرن حين ظهرت كتاباتٌ من نوع جديد لا تنتمي إلى ما كان يألفه القارئُ من الأنواع الأدبية ولا إلى ما كان قد تواضع عليه النقّادُ في ميدان الشعر "فأفتى" بذلك المجددون في الأدب وقبلتها المؤسساتُ وأسمتها شعر التفعيلة وأدخلتها في صنف الأنواع الأدبيّة الشرعيّة!
وهذا ما قامت به هذه المؤسساتُ كذلك حين ظهرت بعضُ الروايات التجريبية التي كانت تعتمد ما كان كتابها يحسبون أنه تيار التداعي أو تيّار اللاوعي، كنصوص إسماعيل فهد إسماعيل (البصرة العراق 1940) كانت السماء زرقاء 1970 والمستنقعات الضوئيّة 1971 والحبل 1972 "فقد أثارت حيرة بعض القرّاء وتحفظهم قبل أن تضمن الهيئاتُ الأدبيّة قيمة هذه النصوص الفنية.
والحق أن ميثاق القراءة ينعقد بين النص وقارئه في مكانين على الأقل، في فاتحة النص الأدبي ومطلعه أولاً وفي هامشه ثانياً.
وينعقد ميثاق القراءة ويظهر على نحو ضمني وغير مباشر في مطلع النص ومستهلّه. والأسطر الأولى من النص تحدد بشكل حاسم طريقة تلقيه.
فهناك: "حدثنا عيسى بنُ هشام: قال: "الشهيرة التي تستهل أغلبَ مقامات بديع الزمان الهمذاني (969-1007) وهناك قرينتها التي لا تقل عنها شهرة: "حدث الحارث بن همام: قال .." التي تفتح مقامات الحريري  (1054-1222) مع تنويعاتها حكى وروى وأخبر . وكلها تؤذن منذ مطلع النص بأننا نلجُ بفضلها باباً يقودُنا إلى عالم الكدية والمغامرة الهازئة بالأعراف والتقاليد الاجتماعية. وهناك كذلك "كان يا ما كان، في قديم الزمان.." التي تهمسُ بها جداتُنا حين يُدخلننا جوَ الحكاية الشعبية السحرية.
ولكن لمطلع النص وظيفةٌ أخرى. وهو غالباً ما يحدد ميدانَ قراءة النص. ولنعدْ إلى رواية علي عقلة عرسان  فهي تبدأ على النحو التالي:
"وقفتُ اليوم على سفح الجبل الذي ارتبطت به ارتباط جذر الشيح بالأرض ونظرت من فوقه باتجاه الشرق كما هي عادتي منذ أصبح الجبل الدنيا بالنسبة لي. كانت القرى والمزارع على مد النظر، منبطحة تحت مرمى ذراعي ككائن جريح.."(16).
فالكاتب يرمي بقارئه رمياً لا هوادة فيه في عالم واقعي تغشاه نزعةٌ عاطفية أليمة: رجلٌ ينتصب واقفاً على جبل يشرف على وادٍ كأنه حارس للأرض والسماء معاً يضرب بجذوره عميقاً في أرض الوطن وتاريخه. إنه رمزٌ للمقاومة وللصمود يغرس في زمن الرواية ولكن هذا لا يحيط به
ثم يضيف علي عقلة عرسان، اعتباراً من السطر الثامن، تفاصيل جديدةً تحدد انتماء هذا الرجل الاجتماعي: فلاّح فقير أرغمته ظروفُ الحياة القاسية على الاغتراب بعيداً عن أسرته وقريته قبل أن يلبي نداء الوطن. وهذه العناصر تشكلُ الإطار الدلالي الذي ستنمو فيه أحداثُ الرواية.
وأخيراً فإن عقد القراءة لا يفتأ يظهر طيلة النص من خلال التزام هذا الأخير بمجموعة من القواعد والأعراف وتقيده بها. وهذه المعايير تُنظّم شكلَ التلقي. والحق أن كل نص ينخرط في لغة معينة يفرضُها نوعُه الأدبي وفي أسلوب وتقاليد يستعين بها القارئ حين يُؤول ما يقرأ. فأقاصيصُ عبد الله عبد (1928-1976) لا تثير عند قارئها ما يتوقع أن يجدَه حين يأخذ بين يديه أقاصيص يوسف إدريس (1927-1991) مثلاً. تماماً كما أن قارئ إحسان عبد القدوس ينتظرُ أن يقرأ في مؤلفاته غير ما ينتظره حين يشتري روايات عبد الكريم ناصيف (1939)! فلغةُ النص في كل هذه الأمثلة، ومفرداته وبنيتُه، وطريقته في انتقاء الصور والتشابيه وشكلُ تنظيمها وتسارعُ الأحداث وتساوقُها تمتثل جميعها لمبادئ تختلفُ كل الاختلاف بين نوع أدبي وآخر. والقارئُ لا يبحث عن ذات المتعة ولا عن ذات الأثر عند هذا الكاتب أو عند ذاك.
وأمّا هامشُ النص فنعني ما يحيطُ به من توطئة وفذلكة ومقدّمةٍ ومدخلٍ وتحذير وتنبيهٍ وكذلك الإهداء والشكر والتذييل.. الخ.. وغايةُ كل هذه النصوص الجانبيّة هي توجيهُ القارئ وإرشاد خطاه إلى كيفية قراءة النص.
وإن كانت نسختي من رواية علي عقلة عرسان صخرة الجولان عاريةً من كل توطئةٍ أو مقدّمةٍ أو إهداءٍ فإنها تحمل التذييل التالي:
"هذا الكتاب رواية تحكي قصة أبطال واقعيين من أرضنا ليس بأسمائهم بل بانتمائهم الحقيقي إلى هذه الأرض. جنود مقاتلون في صفوف الجيش ضد العدو الصهيوني الشرس وفلاّحون بسطاء يتعلّقون بوطنهم وبمبادئهم في الشرف والكرامة رغم كل الظروف القاسية التي يعيشونها"(12).
وهذا التذييلُ يشير بوضوح قاطعٍ إلى الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه القارئ عند تأويله لصخرة الجولان.
ولنذكر كذلك نصّاً مشهوراً في الأدب العربي ألا وهو مقدّمة عبد الله بن المقفع لكليلة ودمنة. فهو يطالب القارئ بأن يُديم النظرَ في كتابه وأن يلتمسَ جواهر معانيه ويُحذّره من القراءة الخاطئة إذا حسب أن غايته من الكتاب هي الإخبارُ عن حيلةِ بهيميتين أو محاورة سبع لثور. ثم يكاشف ابن المقفّع قارئه بسره فيقول:
"وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومُقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أقسام وأغراض: أحدها ما قصد من وضعه على ألسن البهائم ليتسارع إلى قراءته واقتنائه أهلُ الهزل من الشبان فيستميل به قلوبهم [] والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ ليكون أنساً لقلوب الملوك[    ] والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتساخه وينتفع بذلك المصور والناسخ أبداً. والغرض الرابع وهو الأقصى وذلك يخص الفيلسوف خاصة أعني الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة."(13).
وعليه فللتوطئة أو للمقدّمة غايةٌ مزدوجة تسعى إليها: إنها تشرح للقارئ غايةَ الكاتب من وضعه للكتاب وتضعه على طريق التأويل الصحيح معاً. ولكنها قد تلجأ إلى سبل متعرّجة ومسالك ملتويةً كي تبلغ مرامها ذاك. فبعضُها يزعم للقارئ أن النص الذي بين يديه قد كُتب على عجالة أو أن نية الكاتب لم تكن في نشره أو أن هذا الأخير قد نزل على إلحاح أصدقائه إلخ.. وإنه بالتالي يأملُ أن يُظهر القارئ كثيراً من التسامح. وبطبيعة الحال فإن مقدماتٍ كهذه تسعى في حقيقة الأمر إلى إثارة فضول القارئ وتتمنّى مشاركته.
ولكن بعضُ المقدّمات يكتبها أشخاص آخرون غير المؤلّف. كتلك التي تُكتب لنصوص مات أصحابُها كمقدمة مُعاصرنا عبد السلام محمّد هارون لكتاب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ  الحيوان(14). أو كتلك التي يوافق الكاتبُ على نشرها مع كتابه لأنها تصدرُ عن شخصيات معروفة في الأوساط الأدبية أو لأنها تتوافق مع ما يراه هو نفسه في مؤلفه. ونجد ذلك كلّه في المقدمات التي تسبق  رواية معروف الأرناؤوط سيد قريش فهناك كلمةٌ لسامي الدهّان في ثنية الغلاف السميك، وهناك عرضٌ كتبه يوسف إبراهيم يزبك عام 1971 يؤرّخ فيه للرواية ولمؤلّفها الذي توفي في دمشق عام 1948 وهناك نصٌ وجهه الشاعرُ خليل مطران (1871-1949) لمؤلّف الرواية بعد ظهورها في عام (1928) يمدح فيه الكتاب ويشرح فيه للقارئ مصادر الرواية التاريخية، ثم كلمةٌ لشفيق جبري يصرّح فيها بأن سيد قريش . راوية جديدة في الأدب العربي دخلها معروف الأرناؤوط وهناك أخيراً كلمة للدكتور منير العجلاني يؤكد فيها:
"هذه رواية سيد قريش بين يديكم فيها عطر وفيها موسيقى، وفيها عنصر من الشعر، كتبها صاحبها لا ليلعب ولا ليبذّر منحة الكتابة التي أعطيها، ولكنه كتبها كما أتنفس أنا وأنت، بسائق القيام بالواجب وليس بسائق البذخ"(15).

2-2- المراسي:

إن عقد القراءة يُوجه خطا القارئ، كما رأينا، فينشئ هذا تأويله حول النقاط الراسخة التي يقترحها النصُ المقروء. وهذه النقاط الثابتة، كالمراسي تعقل القراءة وتجنبها سلوكَ سبل خاطئة وبالتالي تمنعها من التيهان.
ومن هذه الأنصاب عنوانُ الكتاب والنوعُ الأدبي الذي ينتمي إليه النص ويجد القارئ عادة هاتين الإشارتين على صفحة الغلاف. صخرة الجولان، رواية، وليس كذلك غلافُ الشراع والعاصفة (1966) لحنا مينة (17) مثلاً فهو لا يُشير إلى طبيعة النص وعلى القارئ أن يبحث في الصفحات الداخلية عن ذلك. وإضافةً إلى هذه النقاط الثابتة يمكن للقارئ أن يكتشف في كل نص شبكات دلالية تُنظّم بنيته، وقد تنتظم الوحدات التي تكوّن هذه الشبكات حسب ترادفها وتجانسها (كلمات متعددة تحيل جميعها إلى موضوع واحد) أو حسب تعارضها أو حسب تبعاتها (نتائجُ الحدث تُشكّل وحدةً واحدة).
ففي قصيدة عمر بن أبي ربيعة (644-711).
هيّجَ القلبَ مغان وَصِيبَرْ

دارساتٌ قد علاهُنّ الشجرْ(18)
تنتظم أغلبُ معانيها حول موضوع ظهور ما كان باطناً وانكشاف ما كان مستتراً: هاج، علا، شجر، ذرى، أنار، غشّى، زهر، زان، غام، بدا، سرّ، عرف، الخ.. وهذه الأفعال تنتمي إلى ذات الحقل الدلالي فتنسّق النصَ في شبكة معانٍ واحدة فالنبت يَظهر فيُظهر عاطفة الشاعر وتكشف الفتيات خبيئةَ أنفسهن كما تُخرج الأرض زهرها وعندها يُبرز الشاعر ذاته. وعلاقاتُ المشابهة والترادف هذه تحدد حقلَ القراءة وتقود بخطا القارئ خلال سبل التأويل.
وأما ابن الرومي فإنه يبني لامتيه التالية على تنافي الصفات وتناقضها:
وجهُك، يا عمرو، فيه طولُ

وفي وجوه الكلاب طولُ(19)
فهو إذ يبدأ بأن يُعلن اتحاد عمرو والكلب في صفة الوجه الطويل فذلك كي يُبرز على أوضح ما تكون بقية الصفات التي يختلف فيها الحيوان ومهجو ابن الرومي ففي البهيمة فضائلُ حسان، فهو كلب وافٍ(4) وقد يحامي عن المواشي (5) وأما عمرو فالمثالبُ كلّها، غادرٌ وسافلٌ(4) لا يحامي ولا يصول(5) من بيت سوء(6) أهلُه ذميمو الخلقة وضراطون(7) ثم ينهي الشاعر قصيدته فيوحّدها بأهم ما فيها: مجموعة أصوات (مخلّع البسيط).
(11) مستفعلن فاعلن فعولن

مستفعلن فاعلن فعول
أصواتٌ كريحٍ
(12) بيتٌ، كمعناكَ، ليس فيه

معنى، سوى أنه فضول
فأخرس ابن الرومي أنفاس مهجوه. وهكذا إذ ينتقل القارئُ من صفةٍ إلى نقيضها ومن فضيلةٍ إلى مَثْلَبة ومن الشيء إلى ضدّه فإنه يبني تدريجيّاً وحدة النص الدلالية.
وحين يقرأ القارئ روايةً أو قصة فإنه يتلمّس طريقه خلال العالم السردي بأن يُنظّم أحداثه المتناثرة في وحدات منطقية. ولأن أحداثَ الرواية الناضجة ترتبط ببعضها حسب علاقاتٍ تكاملية أو حسب علاقة السبب بالنتيجة فهي بمثابة أنصاب يستهدي بها القارئُ لاكتشاف العالم السردي فلحظةُ شراء الببغاء في رواية عصفور من الشرق تقتضي لحظة تقديمه كهديةٍ لسوزان ديبون. فإن غاب استخدام التقديم ظلّ شراءُ الطائر معلقاً في الهواء ومقطوعاً عن شبكة معاني النص. ومشهدُ إهداء الببغاء لعاملة المسرح يستدعي مشهدَ قبولها لدعوة محسن لها وهذا يقتضي بدوره مشهدَ المطعم.. الخ.
وعليه فإن علاقات المشابهة والمعارضة واستتباع النتائج بين وحدات النص السرديّة هي أكثر ما يلجأ إليه القارئ لتأويل ما يقرأ. ولكن وحدات النص هذه قد تُنشئ بينها علاقاتٍ من طبيعةٍ أخرى.

2-3- منازلُ الظنّ والتخمين:

إن بعض النصوص تُبرمج قراءتها بأن تتركَ خلالها مساحات يتلمّس فيها القارئ طريقه بدون عون خارجي ويُؤولها ظناً وتخميناً. كتلك المساحات البيضاء في بعض التمارين المدرسيّة حيث يُطلب من التلميذ أن يملأ الفراغ حسب ما يقتضيه السياقُ العام أو حسب ما يراه مناسباً للسياق العام.
وحبسُ بعض المعلومات عن القارئ ووجودُ فراغٍ مقصود وسيلةٌ ناجعةً في برمجة مساهمة القارئ الإيجابيّة في تأويل النص. ولإيضاح هذه النقطة سنستعير مثالنا من رواية الروسي دوستويفسكي : الممسوسون (1870) وقد ترجمها المرحوم سامي الدروبي إلى العربيّة. ففي نهاية الكتاب يعزم بطل الرواية استافروجين وقد بلغ من تعذيب ضميره له حدّاً لم يعد يطيق معه صبراً أن يعترف بما يؤرقه للمطران تيخون. فحرّر اعترافاته على وريقات وأعطاها لرجل الدين فراح هذا يقرؤها بصوت عالٍ. وحين يبلغ المطرانُ في قراءته مشهداً يعترفُ فيه استافروجين كيف شرع ذات مرة يُقبّل طِفلةً بشهوانية ثقيلة يكف فجأةً عن القراءة. ويكتشف عندئذٍ أن الورقة التالية ناقصة فينظر إلى استافروجين مُستفهماً فيرد هذا وعلى شفتيه ابتسامةٌ خرقاء:
- إني أحتفظ لنفسي بما حدث بعد ذلك. مؤقتاً.
ولن يعرفَ القارئُ أبداً مضمون الورقة الناقصة. ويتابع المطران قراءته اعتباراً من الورقة التالية، وهنا نكتشف أن الطفلة قد ساورها رعب شديدٌ حين شاهدت استافروجين غداة اللقاء المذكور في الصفحة الناقصة. وأن المسكينة قد شنقت نفسها بعد ذلك بقليل.
إن مفتاح لغز هذه النهاية المخيفة مذكورٌ طبعاً في الاعتراف المثّبت في الورقة التي أخفاها البطلُ نفسه كما اعترف بذلك صراحةً. وغيابُ هذه الورقة المقصودُ هو فراغٌ سرديٌ يُرغم القارئ على ملئه من عنده ومن خياله الخاص. وحين "يُورّطُ" النصُ قارئه ويرغمهُ على اتخاذ موقفٍ من السرد المكتوم وعلى تبنّي رأي بخصوص المساحة البيضاء فإنه يضبط نشاطه ويُوجّهه.

3-دور القارئ

3-1- الاستباق والتبسيط

إن الاستباق والتبسيط هما ردّتا فعل القارئ الأساسيتان أمام النص الأدبي. وهما قائمتان في صلب عملية القراءة والتأويل. ويمكن تفسيرُ ذلك بفضل واحدٍ من مبادئ النشاط اللغوي الجوهري التي كشفت عنها الألسنية الحديثةُ.
لكي يفهمَ الموَجّه إليه مقولةً ما لا بد له من إدراك النيّة الكامنة خلفها. وعليه ما إن يفتح القارئُ كتاباً حتى ينشئ فرضيّةً حول مضمونه العام وبمعنى آخر فإنه يشرع فوراً في استباق المضمون السردي وبالتالي في تبسيطه. فهو إذ يُنشئ في قرارة نفسه فرضيةً حول النص فهو يستبق أحداثَ الرواية مثلاً أو تطورات الحكاية. وهو يصوغ فرضيته على نحو مبسط كما لو كان يطرح على نفسه أسئلةً من طراز: عمّ يتحدّث الكاتبُ؟ ماذا يقصد؟ ويحاول الإجابة على ذلك: أغلب ظنّي أنه يتحدّث عن كذا وكذا. أو يبدو لي أنّه يريد كيْت وكيْت.
فلقد يفترض القارئ أمام رواية عبد الكريم ناصيف (سلميّة، سوريّة
1939) المخطوفون (1991) أول ما يفترض أنها رواية مغامرات يُخطف فيها أشخاص عديدون وأن الرواية تعرض ما جرى لهؤلاء المساكين من وقائع ومصائب! وقد تتعزّز فرضيّته عند قراءة السطور الأولى من مقدمة محمد توفيق البجيرمي التي يذكر فيها الأدويسة ورحلات غليفر ثم رحلات الفيلسوف الإغريقي لوسيان السمياطي ومغامرات سندباد جميعاً! ولكن الوحدات المعنوية التي تنتظم الفصل الأول من الرواية تجعل القارئ يرمي بعيداً فرضيته الأولى ليدخل في عالم سردي آخر. ولينشئ فرضيةً جديدةً تتوافق مع معطيات الفصل الأول.
وأما نزعةُ التبسيط فإنها تكشف في حقيقة الأمر عن ضرورة الفهم التي ترتبط ارتباطاً عضوياً بعملية القراءة. والقارئ إذ يحتاج إلى معرفة أين تقودُه خطاه في طرق النص يميل باستمرار إلى التبسيط. فبينما يسعى الكاتبُ الفطن دائماً إلى مضاعفة الأنظمة الرمزية وإلى تعقيد البنية الدلاليّة قدر إمكانه يسعى القارئ إلى اختزالها وتبسيطها قدر إمكانه كذلك.
إن الميلَ إلى تعقيد صفات الشخصية الروائية ومطاردة دقائقها والإيحاء بخفاياها ومكامن نفسها هو ما يميّز الكاتب في حين أن القارئ يميل دائماً إلى إهمال التفاصيل ورقائق الألوان فيراها بيضاء أو سوداء، خيّرةً أو شرّيرةً، شرقيةً أو غربية.
وحين يقصر بالقارئ علمُه فيعجز عن استكشاف معنى النص الحقيقي يلجأ عندها إلى تأويله تأويلاً رمزياً. فإن جعلنا عنوانُ رواية جيمس جويس 
(1882-1941) أوليس (1922) نظن أن هناك علاقة ما بين أوليس هذا والأوديسة فما أسرع ما نكتشف أن الإطار الزماني والمكاني اللذين تنتشر فيهما الرواية الإنكليزية لا يمتان بصلة إلى ملحمة الشاعر الإغريقي. وأن علينا، لفهم النص على حقيقته أن نؤوله تأويلاً رمزياً أي على أنه أوديسة عصرية وهي طواف بطلها بلوم في أرجاء مدينة دوبلن الإيرلندية. ونشعر بذات الضرورة أمام عنوان ابن عربي يترجم أشواقه (فواز حجو، اتحاد الكتاب، دمشق 1994) وصقر قريش وحيداً (خالد سلامة الجويشي اتحاد الكتاب، دمشق 1993) أو تداعيات بين يدي أبي العلاء المعري التي سبق ذكرُها.

3-2- القراءة بصفتها توقّعٌ

وبسبب نزوع القارئ إلى استباق أحداث الرواية تبدو القراءةُ وكأنها امتحانٌ مستمر يفرضه النصُ لتقييم قدرات القارئ على التوقع. وإن كانت بعضُ الأنواع القصصية تعتمد الاعتماد كله على مبدأ التوقع هذا كالرواية البوليسية أو رواية الألغاز فإن الأنواع القصصية الأخرى ومنها الموصوفة بالجدية لا تستطيع إهمال هذا الجانب.
ويساهم القارئُ النموذجي في تقدّم الحكاية حين يحاول أن يتنبّأ بالأحداث القادمة. ويؤمن القارئ أن ما سيأتي لا بد أن يبرهن على صدق تنبؤه. ولكن لا بد له من انتظار خاتمة النص لمعرفة إن كانت توقعاته قد قاربت الحقيقة الروائية أم لا. إن النص آلةٌ جامدةٌ لا تنشط إلاّ حين تنفخ فيها الحياة تكهناتُ القارئ. وهذا شرط أساسي لا يستغنى عنه نصٌ أدبيٌ يريد أن يركن إليه قارئه أو مفاجأته على غفلة منه إثارة فضوله!
إن القراءة إذن علاقةٌ جدليةٌ متوترة بين توقع ما سيأتي وتذكّر ما قد أتى فالقارئ يُنشئ فرضية حول ما سيحدث في الصفحات التالية أو في بقية الفصول، والصفحاتُ التالية ستحكم بصحة التنبؤ أو ببطلانه. وفي هذه الحالة الأخيرة يعيد القارئ النظر في فرضيته الأولى فيعدل فيها أو يبني فرضية جديدة على ضوء معرفته الحالية. وهكذا دواليك. وبتعبير آخر فالقراءة انتقالٌ دائم بين ما سلف في النص والنتيجة التي يتخيلها القارئ لذلك. ثم بين النتيجة التي تتحقق فعلاً وما سلف وقد أعيد النظرُ إليه! وهذا التوترُ اليقظ ينطبق على أحداث الرواية الثانوية كما ينطبق على أقسامها الكبرى. ففي نهاية الفصل الثالث من اللص والكلاب يودّع رؤوف علوان صديقه القديم سعيد مهران الذي جاء ينتظره أمام بيته. ويسدي رؤوف النصح لسعيد بأن يبدأ حياة جديدةً وأن يبحث عن مهنةٍ أخرى غير اللصوصية ثم يعتذر منه لضيق وقته ويُعطيه شيئاً من المال. فيشكره سعيد بحرارةٍ لكرمه ولنبل أخلاقه و(تناول الجنيهات باسماً وصافحه بحرارة ثم قال بنبرة رجاء
-ربنا يتم نعمته عليك)(20).
وفرضيةُ القارئ هنا هي أن سعيداً هذا سوف يأخذُ بنصيحة صديقه فيبدأ بالبحث عن عمل شريف من ساعته وأن النقود قد تساعد الرجل على اتخاذ طريق جديدة في الحياة، فماذا يجري في الفصل الرابع؟ يحاول سعيد أن يسرق بيت رؤوف علوان! وهذا يرغم القارئ على إعادة النظر في تحليله لشخصية سعيد ولإحساسه بالخيانة ثم بالوحدة.
إن جهد التكهّن هذا أمرٌ جوهري في نشاط القراءة. وهو إذ يُكره القارئ على أن يتفحص دائماً تنبؤاته وأن يقترح على الدوام أجوبةً جديدةً فإنه يُرغمه في ذات الوقت على النظر في أغوار نفسه واكتشاف أسرار وجدانه وشخصيته.
إن هذا واحد من أهم آثار القراءة الجوهرية على القارئ.

3-3- كفاءات القارئ

لكي يُؤولَ القارئ النصَ فإنه يفكّ ألغاز مختلف مستوياته الواحد تلو الآخر. وينتقل من البنى البسيطة إلى البنى المعقدّة أي أنه يُخرج من القوة الكامنة إلى الواقع المفسّر بنية النص الخطابية ثم بنيتَه السرديّة ثم الوظيفية فالعقائديّة.
ويتوافق إظهارُ البنية الخطابية مع مرحلة شرح المعاني. وعندما يفك القارئ رموزَ الكلمات فإنه لا يعير اهتمامه إلاّ للمعاني اللازمة لفهم النص أي للعناصر التي تتضمنها شبكاتُ النص الدلاليةُ والأمرُ أنه يستحيل على القارئ أن يستدعي أمام كل كلمة جميعَ معانيها التي يحصيها القاموس، فدلالات وقفَ وهو الفعلُ الذي يبدأ رواية صخرة الجولان تشغل ثلاثَ صفحات عند ابن منظور (توفي 1311) ويكرس لسان العرب صفحتين تقريباً لفعل بطحَ الذي يستخدم علي عقلة عرسان اسم فاعل مزيده انفعل في السطر الرابع من كتابه، وعلى القارئ أن ينتقي من كل هذه المعاني المتقاربة ما يوافق الرواية التي بين يديه.
ثم يجمع القارئُ هذه البنى الخطابية وينظُمها في سلسلة من الاقتراحات تساعده على استخلاص العقدة القصصية، وهذه البنى السرديّة تجعله قادراً على إطلاق حكمٍ مبدئي بعد قراءة بضع صفحات من روايته أو قراءة فصل منها أو مقطع طويل.
ويمكننا أن نستخلص البنى السردية العامة التالية بعد قراءة جزء من صخرة الجولان: عامل بسيطٌ وفقيرٌ من أصل ريفي (من حوران) أُستدعي إلى الجيش (السوري) خلال حربه (ضد العدو الإسرائيلي) وفُرز مع زملاء له إلى الجبهة (جبل الشيخ) وخلال المعارك تشغله قضيتان هما الدفاع عن الوطن ومصاعب عائلته البائسة (زوجة اسمها زينب وأولادهما الثلاثة). وبين المعركة والأخرى يستعرض شقاءه كعامل أكره على الهجرة إلى بلاد النفط وكفاح زينب للقيام بأعباء العائلة وجشع أحمد الحسن التاجر الذي يُضاعف ثرواته بعيداً عن أرض المعركة بينما يموت الآخرون الفقراء فيها ومن أجله.
إن البنى السردية تؤلّف كما نرى هيكل الرواية العظمى. وهي ما تحتفظ به حين نسعى إلى تلخيص الرواية. وحين ينتقل القارئُ إلى مرحلة أعلى من التجريد فإنه يجمع إلى سلسلة الاقتراحات السردية هذه مخطط الرواية الوظيفي. ونحن نعرفُ بفضل النقد الأدبي الحديث أنه من الممكن أن نميز في كل حكاية ست وظائف. وهي وظائفُ الفاعل والموضوع والمرسل والمرسَل إليه والمعارض والظهير فبطلُ صخرة الجولان محمد المسعود (الفاعل) تكلّفه زوجته وأمّه وقريته (المرسِل) بالدفاع عن أرض الوطن وكرامةِ أبنائه جميعاً (الموضوع) في صفوف الجيش العربي السوري (المرسَل إليه) ويعمل محمد المسعود على تحقيق هدفه هذا عن طريق التصدي لإسرائيل وجنودها (المعارض) بمساعدة نزار والضابط ثم مجموعة السجناء (الظهير).
لقد رأى الأستاذ محمد حيدر في دراسةٍ ممتازة للرواية (21) أن دور زينب لا يقل أهمية عن دور زوجها بل لعلّه أكثر منه شأناً. وأن النزاع مع أحمد الحسن أساسيّ لفهم الرواية. وإذا أخذنا بتحليله استطعنا أن نُضيف المخطط الوظيفي التالي: زينب (الفاعل) يكلّفها زوجُها الغائب وحبّ أطفالها
(المرسِل) بالحفاظ على كرامتهم (الموضوع) التي يهددها أحمد الحسن (المعارِض) بالتعاون مع أم سليمان (الظهير) في إطار قرية الكحيل العريض (المرسَل إليه).
ونجد هذا المخطط الوظيفي كذلك في الروايات ذات النزعة الذاتية.
وعندما يتراءى للقارئ في المخطط الوظيفي توسِيمٌ أخلاقيٌ واضحٌ فهو يستطيع عند ذاك أن يكتشفَ بنى النص العقائديةَ. وإذا استعدنا مثال صخرة الجولان فمن الواضح أن التعارضَ بين محمد المسعود وزينب من جهة وجنود العدو وأحمد الحسين من جهة أخرى هو من ذات التعارض الجوهري بين القيم الإيجابية والقيم السلبية. أي أن الصراع القومي الوطني بين سورية وإسرائيل هو كذلك من طبيعة الصراع الطبقي  بين البؤساء والفقراء والمستغلين الأغنياء.

3 ـ 4 ـ  خبرات القارئ:

والقارئُ الذي يستطيع أن يقرأ على نحو مُثمِر أي أنّ يُجسِّد كلَّ مستويات النص هو قارئٌ ذو خبراتٍ محددة. والخبراتُ التي يمتلكها القارئُ المثالي هي معرفتُه بما يمكننا أن نُسمّيه بالمعجمِ الأساسي وبقواعد الإحالة والإسناد وقدرتُهُ على تمييزِ سياق المقطع المقروءِ وظرفِه وعلى فهمِ التعابير البيانية والصيغ الأدبية المطروقةِ وألفته بالسيناريو العام وعقيدتُه في الحياة.
وإتقانُ القارئُ للحدِّ الأدنى من القاموس أمرٌ ضروريٌ لتحديد مضمونِ الكلمات الدلالي ومعانيها. ولن يستطيعَ القارئُ أن يغوصَ في غامض النص ولا أن يسبرُ أغوارَهُ إن لم يكن قادراً على فهمِ الرموزِ  اللغويةِ الابتدائية. وقارئٌ لا يعرفٌ ما تعنيهِ كلماتٌ مثل تتكأكأُ وتتساندُ وينهدُ ويرومُ ويحتجزُ لن يدرك الصورةَ العامةَ التي يريد نص علي عقلة عرسان أن يرسمها لبيتٍ يكاد يكون خراباً ولكنه ما يزال قائماً. (22).
وأمّا خبرةُ القارئ بشبكاتِ الإحالةِ فهي تُساعدُهُ على أن يفهمَ فهماً صحيحاً الرموزَ الإشاريةَ (التي تُحيل إلى الموقفِ الإخباري الحاضرِ) ورموزَ الإعادة (التي تُحيلُ إلى عنصرٍ سبقَ ذكرُهُ). وخبرتُهُ بإسناد الفعل إلى الأسماء أوإلى الضمائر تجعله قادراً على إدراك حركةِ النص الداخلية  ومتابعةِ ذبذباتِ السردِ. ونجد في رواية أحمدزيادمحبك المقطعَ التالي:
"أعودُ إلى تدقيق كتاب أمامي أحاولُ ألا يظهر على وجهي شيء من علامات الاستياء. وكيف لا أستاءُ؟ هو لا يدعوكَ إليه بنفسهِ، بل يطلب من السكرتيرةِ أن تفعل، لا بأس، هذا خير من أن يصب في أذنك صوته الأجش الغليظ.... ولكن ماذا عساه يريد مني؟..." (22).
في هذا المقطع ينتقلُ الراوي من ضمير المتكلّم إلى ضمير المخاطَب ثم يعود إلى ضمير المتكلّم قبل أن ينتقل إلى ضميرٍ آخر. وفهمُ المقطع يفترض أن القارئَ يعرف أن نفس الشخصية الروائية تستخدم تارةً أنا وتارةً أنت لتعبِّرَ عن ذات الحديث الوجداني.
وخبرةُ القارئِ بظروفِ تأليف القطعة الأدبية تُساعُدُه على تأويل المفرداتِ تأويلاً ينسجمُ مع تاريخ النص أي مع المعنى الأول الذي أراده المُؤلّف لها. فقراءةٌ صحيحةٌ لقصيدة نزار قباني ( 1923-1998). (هوامش على دفتر النكبة) ـ لابد لها أن تستند إلى خبرة القارئ بشعر نزار قباني وما تميز به شعرُهُ قبل أن يكتب قصيدتَهُ هذه بُعيْد الخامس من حزيران... ولن يفهمَ القارئَ كذلك أن العروبةَ التي ينتسب إليها محمود درويش في قصيدته:"سجّل أنا عربي.. ورقم بطاقتي خمسون ألف.) "ليست تقريراً عن الهوية الشخصية وإنما انتماء ونضالٌ إذا جهل الظروفَ التي كتب فيها الشاعرُ قطعته تلك.
ومعرفةُ التعابير البيانيةِ وتقعيدِها والقوالب الأدبية تجعل القارئ أحسن فهماً وأقرب إدراكاً للأنواع الأدبية التي أورثنا إيّاها التاريخ الأدبي والتراث التاريخي. فما إن يطالع القارئُ الخبير: حدّثنا عيسى بن هشام، قال: حتى يدركَ بدون عناءٍ وبدون أية إشارةٍ صريحة أنه أمام نوع أدبي عربي خاص هو المقامة وأن الأحداث التي يعرضها النص قد وقعت في زمن تاريخي معين وفي رقعة جغرافية محددة، وأن هذه الوقائع المذكورة ليست "واقعية"، وأن هدفَ الكاتب ليس وعظنا ولا إرشادنا وإنما  يريد أن يقصَّ علينا حكايةً لإمتاعنا وتفريج كربنا..
وأما الخبرة في قواعد الكتابة المسرحيةِ فهي التي تجعل القارئَ الفطنَ يرى أمراً طبيعياً أن يتكلّم رجلٌ في مسرحية (تحولات عازف الناي)
(1993)... بلغةٍ شعريةٍ عذبةٍ طيلة عشر صفحاتٍ وبدون انقطاع!.. (24). فهذه أمورٌ يقبلها النوع المسرحي، ولهذا لا يجد القارئ غضاضةً في أن تتبادل شخصياتٌ مسرحيةٌ أطرافَ الحديثِ بالبحر الطويل أو الكامل والمديد!... كما هو عليه الحال عند أحمد شوقي أو خليل مطران...
وأما السيناريو العام فنعني به مجموعَ الحوادث المتسلسلة حسب قواعدَ اجتماعيةٍ عامة يشترك فيها أبناءُ الثقافة الواحدة. وهذه المعرفةُ المشتركة تجعلنا نفهمُ ونؤولُ ما يفعله الشخصُ الآخر على نحوٍ صحيحٍ. والنصُّ الأدبي قائمٌ على تنظيم وسائل متعارف عليها في وسط ثقافي ما لبلوغ أهداف محددة. فشعائر الصلاة والدفنِ والتعزيةِ والولادةِ واستقبالِ الضيوف وتنظيمُ المكان الاجتماعي والمكانِ العائليِّ خبراتٌ عامةٌ يمتلكها القارئُ ويُحسنُ بفضِلها تفسيرَ سلوكِ الشخصياتِ الروائية وغاياتها، ولقد يمكن أننا لم نشهدْ في حياتنا إطلاقاً هذه الأحداثَ تقع على هذا النحو ولكن خبرتنا العامة بالناس وبالكون الذي نعيش فيه تسمح لنا بتأويلها..
وأما سيناريو التناص فالقارِئُ  لا يكتسبه من التجربة الاجتماعية العامة وإنما عن طريق معايشته الطويلة لنصوص ثقافته الأساسية. فحين يقرأ نصاً من نوع أدبي معين فإن القارئ يتوقع بشكل منطقي أن يصادفَ سلسلة من الأحداث التي تميز هذا الفنَ الخاص. فقارِئُ القصة العاطفية يتوقع أن ينتهي الحدثُ نهايةً سعيدةً وقارئُ القصة البوليسية أن يُماط اللثامُ عن الشرير وأن يعاقب على ما فعلته يداه. وبطبيعة الحال فإن الراوي قد يستغلُ ثقافةَ القارئ وخبراتِه بالنصوص الأخرى فيفاجِئُهُ بغير ما يتوقع فتنتهي الرواية العاطفية نهاية مؤلمة ويُفلت المجرم من يد العدالة. وبشكلٍ عامٍ فبقدر ما يكونُ النوعُ الأدبي صارماً ذا حدودٍ منيعةٍ بقدر ما تفرضُ قواعدُهُ الداخلية سيرَ الحدث ونهايتهَ. وإن كان يصعبُ علينا أن نتخيلَ خاتمةً سعيدةً لمحمد المسعود بطل (صخرة الجولان)، أو لزوجته فذلك عائدٌ لضرورة الرواية الواقعية الفنية وقواعدها بقدر ما هو عائدٌ  لحركة النص المأساوية.
وأخيراً.. فإن خبرةَ القارئ العقائدية تحدد شكلَ تلقيه للبنية الأخلاقية التي تنتظم النصَّ المقروء. فهو حين يشرع في القراءة يفعل ذلك مستنداً إلى قيمه الخاصة، وهو قادرٌ بالتالي على أن يرفض رؤيةَ الراوي الفكرية.
ألف ليلة وليلة، 4أجزاء، بيروت، المكتبة الثقافية، الطبعة الثانية، 1981، الجزء الأول، ص 25.
2 ـ مجاني الأب شيخو، بإدارة فؤاد أفرامِ البستاني، 5 أجزاء، بيروت، المطبعة الكاثوليكية 1966، الجزء الخامس، ص 281.
3 ـ معروف الأرناؤوط، سيد قريش، بيروت، الطبعة الثالثة، دار القلم، 1971، 4أجزاء في مجلدين.
4 ـ علي عقلة عرسان، صخرة الجولان، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، الطبعة الثانية،
1987، ص 12-13.
5 ـ صخرة الجولان، ص 16.
6 ـ صخرة الجولان، ص 11.
7 ـ أحمد زياد محبك، الكوبرا تصنع العسل، حلب، دار القلم العربي، 1996، ص 18.
8 ـ حسن حميد، تعالي نطير أوراق الخريف، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، 1992،
ص 29.
9 ـ السيرة النبوية لابن هشام، القاهرة، جزءان، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية 1955، الجزء الأول ص 516.
10ـ توفيق الحكيم، عصفور من الشرق، القاهرة، المطبعة النموذجية، بدون تاريخ،
ص 44-45.
11ـ عصفور من الشرق، ص 189-190.
12ـ صخرة الجولان، الطبعة الثانية، صفحة الغلاف الأخيرة.
13ـ عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، نشر الأب لويس شيخو، بيروت، دار المشرق، الطبعة الثامنة، 1969، ص 59.
14 ـ الجاحظ ، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الجيل، 1988، ص 3-43.
15 ـ سيد قريش، ص 24.
16ـ صخرة الجولان ، ص 7.
17ـ حنا مينة، الشراع والعاصفة، بيروت، دار الآداب، الطبعة الخامسة 1986.
18ـ عمر بن أبي ربيعة، الديوان، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الأندلس، بدون تاريخ، القصيدة، رقم 33، ص 150-151.
19ـ المجاني الحديثة، الجزء الثالث، ص 143.
20ـ نجيب محفوظ، اللص والكلاب، القاهرة، مكتبة مصر، بدون تاريخ، ص 36.
21ـ محمد حيدر، رأي في صخرة الجولان في مجلة الكاتب العربي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، العدد رقم 5، عام 1983، ص 75-92 ا.ه.
22ـ صخرة الجولان، ص 7.
23ـ الكوبرا تصنع العسل، ص 7.
24ـ علي عقلة عرسان، تحولات عازف الناي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، 1993.